مجمع البحوث الاسلامية
122
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
صلة وليس له من القبول عائد . وقال الجبّائيّ : المراد يأخذوا بالنّاسخ دون المنسوخ . وقيل : الأخذ بالأحسن هو أن تحمل الكلمة المحتملة لمعنيين أو لمعان على أشبه محتملاتها بالحقّ ، وأقربها للصّواب . ولا ينبغي أن يحمل « الأخذ » على الشّروع ، كما في قولك : أخذ زيد يتكلّم ، أي شرع في الكلام ، و « الأحسن » على العقائد ، فيكون المراد أمرهم ليشرعوا بالتّحلّي بالعقائد الحقّة ، وهي - لكونها أصول الدّين وموقوفة عليها صحّة الأعمال - أحسن من غيرها من الفروع ، وهو متضمّن لأمرهم بجميع ما فيها ، كما لا يخفى . فإن أخذ بالمعنى المعنيّ من أفعال الشّروع ، ليس هذا استعمالها المعهود في كلامهم ، على أنّ فيه بعد ما فيه ، ومثل هذا كون ضمير ( أحسنها ) عائد إلى قوّة ، على معنى : مرهم يأخذوها بأحسن قوّة وعزيمة ، فيكون أمرا منه سبحانه أن يأمرهم بأخذها ، كما أمره به ربّه سبحانه ، إلّا أنّه تعالى اكتفى في أمره عن ذكر الأحسن بما أشار إليه التّنوين ، فإنّ ذلك خلاف المأثور المنساق إلى الفهم ، مع أنّا لم نجد في كلامهم أحسن قوّة ، ومفعول ( يأخذوا ) عليه محذوف ، كما في بعض الاحتمالات السّابقة ، غير أنّه فرق ظاهر بين ما هنا وما هناك . ( 9 : 58 ) رشيد رضا : قيل : إنّ ( أحسن ) هنا بمعنى ذي الحسن التّامّ الكامل ، وليس فيه معنى تفضيل شيء على آخر ، وهو ما يعبّرون عنه بقولهم : اسم التّفضيل على غير بابه ، أي وأمر قومك بالاستمساك والاعتصام بهذه المواعظ والأحكام المفصّلة في الألواح الّتي هي كاملة الحسن . وقيل : إنّه على الأصل ، فيه من تفضيل بعض المضاف إليه على بعض ، ومنه الحقيقيّ والاعتباريّ والإضافيّ ، فأصول العقائد من الإيمان باللّه تعالى وتوحيده وتنزيهه أفضل وأشرف من الأحكام العمليّة ، ولكن لا يصحّ أن يراد هنا ، قيل : إلّا إذا أريد بالأخذ : الشّروع والابتداء . والأوامر أفضل من النّواهي ، ويصحّ أن تراد في مثل الأمر بعبادة اللّه وحده والنّهي عن اتّخاذ الصّور والتّماثيل ، وكلاهما من الوصايا الّتي كتبت في الألواح ؛ وذلك أنّ الإخلاص للّه تعالى في العبارة أمر وجوديّ ، يتحلّى به العقل وتتزكّى به النّفس ، وترك اتّخاذ الصّور والتّماثيل أمر سلبيّ محض ، إذا لم يكن أثرا للإخلاص في العبادة وسدّا للذّريعة ، فلا قيمة له ، فإنّه لم ينه عنه إلّا لأنّه من ذرائع الشّرك ، وإلّا فقد يتركه المرء لعدم الدّاعية وإن كان مشركا . والفرض أفضل من النّفل ، ولكن ليس في الوصايا العشر نوافل ، ويقال مثله في قولهم : والعزيمة أفضل من الرّخصة ، ومثل هذا التّعبير قوله تعالى : وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ . . . والمجال فيه أوسع ، فإنّ القرآن أحسن ما أنزله اللّه تعالى إلى خلقه على ألسنة رسله ، بإكماله تعالى الدّين به وبغير ذلك من مزاياه ، والخطاب فيه لأمّة الدّعوة ، أي للنّاس كافّة ، لأنّه معطوف على قوله : وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ الزّمر : 54 . ثمّ إنّ فيما أنزله فيه العزيمة والرّخصة ، وفيه من النّدب ما هو أفضل من مقابله ، كالصّدقة بالدّين بدل إنظار المعسر به وهو واجب ، وكالعفو في مقابلة